صديق الحسيني القنوجي البخاري
173
فتح البيان في مقاصد القرآن
التعذيب إلا مجرد المجازاة للعصاة ، والاستفهام للتقرير والمعنى أي منفعة له في عذابكم إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ فإن ذلك لا يزيد في ملكه كما أن ترك عذابكم لا ينقص من سلطانه وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً أي يشكر عباده على طاعته فيثيبهم عليها ، ويتقبلها منهم ، والشكر في اللغة الظهور ، يقال دابة شكور إذا ظهر من سمنها فوق ما تعطى من العلف . لا يُحِبُّ اللَّهُ نفي الحب كناية عن البغض أي يبغض الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ قرىء على البناء للمجهول وعلى البناء للمعلوم ، واختلف أهل العلم في كيفية الجهر بالسوء الذي يجوز لمن ظلم فقيل هو أن يدعو على من ظلمه ، وقيل لا بأس بأن يجهر بالسوء من القول على من ظلمه بأن يقول فلان ظلمني أو هو ظالم أو نحو ذلك ، وقيل معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول من كفر أو نحوه فهو مباح له ، والآية على هذا في الإكراه وكذا قال قطرب . والظاهر من الآية أنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه ، ويؤيده الحديث الثابت في الصحيح بلفظ « ليّ الواجد ظلم يحلّ عرضه وعقوبته » « 1 » . وقال قوم معنى الكلام لا يحب اللّه أن يجهر أحد بالسوء من القول ، لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك ، وهذا شأن كثير من الظلمة فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم على من ظلموه وينالون من عرضه . وقال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم فقال سوءا فإنه ينبغي أن يأخذوا على يديه ، وعن ابن عباس قال : لا يحب اللّه أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما فإنه رخص له أن يدعو على من ظلمه ، وإن يصبر فهو خير له . وقد أخرج ابن أبي شيبة والترمذي عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « من دعا على من ظلمه فقد انتصر » « 2 » ، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « المتسابان ما قالاه فعلى البادىء منهما ما لم يعتد المظلوم » « 3 » . قال الحسن : هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه ولكن ليقل اللهم أعني عليه اللهم استخرج لي حقي ، اللهم حل بيني وبين ما يريد ونحوه من الدعاء .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاستقراض باب 13 ، وأبو داود في الأقضية باب 29 ، والنسائي في البيوع باب 100 ، وابن ماجة في الصدقات باب 18 ، وأحمد في المسند 4 / 388 ، 399 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 102 . ( 3 ) أخرجه مسلم في البر حديث 69 ، وأبو داود في الأدب باب 39 ، والترمذي في البر باب 51 ، وأحمد في المسند 2 / 235 ، 488 ، 517 ، 4 / 162 ، 266 ، 6 / 266 .